Skip to main content
|6 دقائق قراءة|Analysez AI

القيم المفقودة (Missing Data) في البحث العلمي — متى تحذف الصفوف ومتى تستخدم التعويض المتعدد؟

فتح باحث ملف البيانات بعد ستة أشهر من جمع العينات في المستشفى، فوجد أن عمود “مستوى الهيموغلوبين التراكمي (HbA1c) بعد ثلاثة أشهر” فارغ لدى 38 مريضًا من أصل 200.

أمام هذا الموقف، يميل كثير من الباحثين إلى أحد خيارين سريعين: إما حذف هؤلاء المرضى الثمانية والثلاثين فورًا، أو ملء الخلايا الفارغة بالمتوسط الحسابي لبقية المرضى حتى يقبل البرنامج الإحصائي تشغيل النموذج.

الخياران قد يؤديان إلى استنتاجات غير دقيقة؛ لأن التعامل الصحيح مع القيم المفقودة (Missing data) لا يبدأ باختيار أداة برمجية، بل بفهم سبب غياب هذه القيم.

لماذا لا نكتفي بعدّ الخلايا الفارغة؟

نسبة الفقد وحدها لا تخبرك بالقصة الكاملة. فقدان 10% من البيانات بسبب تعطل جهاز المختبر ليوم واحد يختلف جذريًا عن فقدان 10% لأن المرضى ذوي الحالات الحرجة لم يتمكنوا من الحضور لزيارة المتابعة. في الحالة الأولى تكون العينة المتبقية ممثلة للمجتمع الأصلي، أما في الحالة الثانية فإن حذف الحالات الناقصة يتركك مع المرضى الأفضل حالًا فقط، فيظهر العلاج وكأنه أكثر فاعلية مما هو عليه في الواقع.

لذلك قسّم الإحصائيون آليات الفقد إلى ثلاث فئات أساسية تحدد المسار التحليلي السليم.

الآليات الثلاث للقيم المفقودة: MCAR وMAR وMNAR

1. الفقد العشوائي التام (Missing Completely at Random — MCAR)

تكون القيم مفقودة عشوائيًا بالكامل عندما لا يرتبط احتمال غياب القيمة بأي متغير آخر في الدراسة، سواء كان مقيسًا أم غير مقيس.

  • مثال واقعي: سقوط أنبوب عينة دم في المختبر عن طريق الخطأ، أو ضياع استبيان ورقي أثناء النقل.
  • الأثر الإحصائي: المرضى الذين فُقدت بياناتهم لا يختلفون في خصائصهم عن المرضى الذين اكتملت بياناتهم. هنا لا يسبب الفقد تحيزًا (Bias) في التقديرات، لكنه يقلل حجم العينة الفعلي ومن ثم يضعف القوة الإحصائية (Statistical power).

2. الفقد العشوائي المشروط (Missing at Random — MAR)

تسميته الإنجليزية قد توحي بأنه عشوائي تمامًا، لكنه في الحقيقة “عشوائي بشرط متغيرات أخرى مسجلة في ملفك”. أي أن سبب الفقد مرتبط بمتغير آخر قمنا بقياسه بالفعل، وليس بالقيمة المفقودة نفسها بعد ضبط ذلك المتغير.

  • مثال واقعي: كبار السن في الدراسة أكثر عرضة لعدم إكمال قياس المتابعة بسبب صعوبة التنقل، وعمر كل مريض مسجل بالكامل في ملف البيانات. داخل كل فئة عمرية، يكون الغياب عشوائيًا.
  • الأثر الإحصائي: حذف الصفوف الناقصة هنا يسبب تحيزًا لأن العينة المتبقية ستكون أصغر سنًا، لكن بما أن العمر مسجل لدينا، يمكن للطرق الحديثة مثل التعويض المتعدد (Multiple imputation) استخدام العمر وباقي المتغيرات لتعويض هذا النقص وتقليل التحيز.

3. الفقد غير العشوائي (Missing Not at Random — MNAR)

يحدث عندما يرتبط غياب القيمة بالقيمة المفقودة ذاتها، حتى بعد أخذ جميع المتغيرات المسجلة في الحسبان.

  • مثال واقعي: في دراسة عن الاكتئاب، يمتنع المرضى الذين يعانون من نوبة اكتئاب شديدة في يوم التقييم عن الإجابة عن استبيان شدة الاكتئاب بسبب حالتهم النفسية نفسها. أو في استبيان اقتصادي، يرفض أصحاب الدخل المرتفع جدًا الإفصاح عن دخلهم.
  • الأثر الإحصائي: هذا النوع هو الأصعب إحصائيًا؛ لأن المعلومة التي تفسر الغياب غير موجودة في الملف. لا توجد معادلة تقليدية تعوض هذا النقص تلقائيًا دون افتراضات إضافية، ويتطلب الأمر تحليلات حساسية (Sensitivity analyses) لاختبار مدى تأثر النتيجة النهائية بافتراضات مختلفة حول القيم الغائبة.

كيف تفحص نمط الفقد في بياناتك؟

لا يمكنك إثبات آلية MNAR من البيانات وحدها لأن القيم الغائبة غير مرئية، لكن يمكنك التمييز عمليًا بين MCAR وMAR عبر خطوات بسيطة قبل بدء التحليل الاستدلالي:

  1. أنشئ متغيرًا ثنائيًا (مؤشر الفقد Missingness indicator): أعطِ القيمة 1 لكل مريض لديه قيمة مفقودة في المتغير المهم، والقيمة 0 لمن لديه قيمة مكتملة.
  2. قارن الخصائص الأساسية بين المجموعتين: قارن العمر، والجنس، وشدة المرض الابتدائية بين مجموعة 1 ومجموعة 0 باستخدام اختبار ت للعينات المستقلة (Independent t-test) أو اختبار مربع كاي (Chi-square test).
  3. اقرأ النتيجة: إذا وجدت أن المرضى الذين غابت بياناتهم أكبر سنًا بفارق واضح أو كانت حالتهم الابتدائية أشد، فهذا دليل عملي على أن البيانات ليست MCAR، وأن افتراض MAR أقرب للواقع. كما يُستخدم اختبار ليتل (Little’s MCAR test) كفحص إجمالي لفرضية أن الفقد عشوائي تمامًا عبر متغيرات الجدول.

لماذا يُعد التعويض بالمتوسط الحسابي (Mean Imputation) خطأً شائعًا؟

يلجأ بعض الباحثين إلى استبدال كل خلية فارغة بالمتوسط الحسابي للعمود بحجة أنه “لا يغير المتوسط العام”. هذا صحيح حسابيًا للمتوسط وحده، لكنه يشوه التباين (Variance) والخطأ المعياري (Standard error) والعلاقات بين المتغيرات.

مثال رقمي بالخطوات

لنفترض أن لدينا قياسات ضغط الدم الانقباضي (بالمليمتر الزئبقي) لخمسة مرضى مكتملين، والمريض السادس قيمته مفقودة: القيم الخمس المكتملة هي: 120، 125، 130، 135، 140.

أولًا: الحساب على القيم الخمس الأصلية (n = 5)

  • مجموع القيم: 120 + 125 + 130 + 135 + 140 = 650.
  • المتوسط الحسابي (Mean): 650 / 5 = 130.
  • انحرافات القيم عن المتوسط (xᵢ - x̄): هي -10، -5، 0، +5، +10.
  • مربعات الانحرافات: 100، 25، 0، 25، 100.
  • مجموع مربعات الانحرافات Σ (xᵢ - x̄)²: 100 + 25 + 0 + 25 + 100 = 250.
  • التباين للعينة s² = 250/(n - 1) = 250/4 = 62.5.
  • الانحراف المعياري (SD): √(62.5) ≈ 7.91.

ثانيًا: ماذا يحدث لو عوضنا المريض السادس بالمتوسط الحسابي (130)؟ تصبح القيم الست (n = 6): 120، 125، 130، 135، 140، 130.

  • المتوسط الحسابي يبقى 780 / 6 = 130.

  • انحراف القيمة الجديدة عن المتوسط هو 130 - 130 = 0، فيبقى مجموع مربعات الانحرافات كما هو (250).

  • لكننا الآن نقسم على درجات حرية أكبر (n - 1 = 5) كما لو أن لدينا ست مشاهدات حقيقية: التباين الجديد s² = 250/5 = 50.

  • الانحراف المعياري الجديد: √(50) ≈ 7.07.

لاحظ ما حدث: بمجرد إضافة قيمة مصطنعة تساوي المتوسط، انخفض التباين من 62.5 إلى 50 (انخفاض قدره 20%)، وانكمش الانحراف المعياري من 7.91 إلى 7.07. وإذا تكرر هذا في عينة فيها 20% أو 30% من القيم المفقودة، يصغر الخطأ المعياري اصطناعيًا، فتظهر فواصل الثقة أضيق مما ينبغي وتنخفض القيمة الاحتمالية (p-value) وهميًا، مما يرفع احتمال الوقوع في الخطأ من النوع الأول (Type I error) وإعلان نتائج غير حقيقية. فوق ذلك، تضعف معاملات الارتباط (Correlation) مع المتغيرات الأخرى لأن القيمة المعوضة ثابتة لا تتغير بتغير عمر المريض أو حالته.

متى يُقبل تحليل الحالات الكاملة (Complete-Case Analysis)؟

تحليل الحالات الكاملة — أي استبعاد الصفوف التي تحوي قيمًا مفقودة في متغيرات النموذج (Listwise deletion) — يكون مقبولًا علميًا في حالتين رئيسيتين:

  1. عندما تكون نسبة القيم المفقودة ضئيلة (جرت العادة الإحصائية على اعتبار أقل من 5% في المتغير الواحد عتبة عملية غالبًا ما يكون أثرها محدودًا)، مع عدم وجود مؤشر على تحيز شديد.
  2. عندما يكون نمط الفقد متوافقًا مع MCAR، وتكون العينة المتبقية كبيرة بما يكفي للحفاظ على القوة الإحصائية المطلوبة للدراسة.

أما إذا تجاوزت النسبة ذلك أو تبيّن أن الفقد يرتبط بخصائص المرضى (MAR)، فإن الاكتفاء بحذف الصفوف يضعف موثوقية النتائج أمام المحكّمين.

التعويض المتعدد (Multiple Imputation) بلغة مبسطة

بدلًا من وضع رقم واحد متخيل والتعامل معه كأنه حقيقة يقينية، يقوم التعويض المتعدد — وأشهر خوارزمياته التسلسلية طريقة MICE (Multiple Imputation by Chained Equations) — بثلاث خطوات منطقية تحترم عدم اليقين الإحصائي:

  1. التعويض (Imputation): يبني البرنامج نموذجًا تنبؤيًا للقيمة المفقودة اعتمادًا على بقية متغيرات المريض (العمر، الجنس، القياسات الابتدائية)، لكنه لا ينشئ نسخة واحدة؛ بل يولّد عدة نسخ مكتملة من ملف البيانات (مثلًا 5 إلى 20 نسخة)، تختلف فيها القيم المعوضة قليلًا من نسخة لأخرى لتعكس التشتت الطبيعي وعدم اليقين.
  2. التحليل (Analysis): يُجرى الاختبار الإحصائي أو نموذج الانحدار المطلوب على كل نسخة من النسخ المكتملة بشكل مستقل تمامًا.
  3. الدمج (Pooling): تُدمج النتائج (التقديرات والأخطاء المعيارية) باستخدام قواعد روبن (Rubin’s rules)، التي تجمع بين التباين داخل كل نسخة والتباين بين النسخ المختلفة، فيخرج لك تقدير واحد بفاصل ثقة واقعي غير مضخم الدقة.

كيف تكتبها في بحثك

عند توثيق طريقة التعامل مع القيم المفقودة في قسم الطرق الإحصائية (Statistical Methods) في رسالتك أو ورقتك البحثية، اذكر نسبة الفقد، وآلية الفحص، والطريقة المعتمدة بوضوح:

نموذج عربي:

“تراوحت نسبة القيم المفقودة عبر متغيرات الدراسة الأساسية بين 2.5% و14.0%. أظهر فحص أنماط الفقد ارتباط غياب قياس المتابعة بتقدم العمر، مما يرجح فرضية الفقد العشوائي المشروط (MAR). ولمعالجة ذلك دون إهدار حجم العينة، استُخدم التعويض المتعدد عبر المعادلات المتسلسلة (MICE) بتوليد 10 مجموعات بيانات معوضة، ودُمجت تقديرات نماذج الانحدار وفق قواعد روبن (Rubin’s rules)، مع إجراء تحليل حساسية على الحالات الكاملة (n = 162) للمقارنة.”

نموذج إنجليزي (APA 7th edition style):

“Missing data across primary variables ranged from 2.5% to 14.0%. Inspection of missingness patterns indicated that loss to follow-up was associated with older baseline age, supporting a missing-at-random (MAR) assumption. Multiple imputation by chained equations (MICE; 10 imputed datasets) was performed, and regression estimates were pooled using Rubin’s rules. A complete-case sensitivity analysis (n = 162) yielded consistent results.”

وإذا أردت أن تطبّق هذا على بياناتك، جرّبه على analysez.ai.

اشترك في «نشرة أناليسيز»

مفهوم إحصائي واحد كل أسبوع، بمثال محسوب خطوة بخطوة وطريقة كتابته في بحثك.

اشترك على LinkedIn

محتاج مساعدة في التحليل الإحصائي؟

ابدأ تحليلك الإحصائي مجاناً على منصة Analysez AI — نتائج فورية وتنظيف آلي وتقارير موثّقة.